فخر الدين الرازي

337

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث بعد ظهور الدلائل القاطعة لهم على فساد ما هم عليه ، وما ذاك إلا لحسدهم لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم فيما آتاه اللَّه من الدين الحق ، ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان ، ثم ذكر بعده قصة ابني آدم وأن أحدهما قتل الآخر حسدا منه على أن اللَّه تعالى قبل قربانه ، وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود ، فلما كانت نعم اللَّه على محمد صلى اللَّه عليه وسلم أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه ، فكان ذكر هذه القصص تسلية من اللَّه تعالى لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم لما هم قوم من اليهود أن يمكروا به وأن يوقعوا به آفة ومحنة . والثاني : أن هذا متعلق بقوله يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ المائدة : 15 ] وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار التوراة ، والثالث : أن هذه القصة متعلقة بما قبلها ، وهي قصة محاربة الجبارين ، أي اذكر لليهود حديث ابني آدم ليعلموا أن سبيل أسلافهم في الندامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعصية كان مثل سبيل ابني آدم في إقدام أحدهما على قتل الآخر . والرابع : قيل هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبيا معظما عند اللَّه تعالى . الخامس : لما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم حسدا أخبرهم اللَّه تعالى بخبر ابن آدم وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة ، والمقصود منه التحذير عن الحسد . المسألة الثانية : قوله وَاتْلُ عَلَيْهِمْ فيه قولان : أحدهما : وأتل على الناس . والثاني : وأتل على أهل الكتاب ، وفي قوله ابْنَيْ آدَمَ قولان : الأول : أنهما ابنا آدم من صلبه ، وهما هابيل وقابيل . وفي سبب وقوع المنازعة بينهما قولان : أحدهما : أن هابيل كان صاحب غنم ، وقابيل كان صاحب زرع ، فقرب كل واحد منهما قربانا ، فطلب هابيل أحسن شاة كانت في غنمه وجعلها قربانا ، وطلب قابيل شر حنطة في زرعه فجعلها قربانا ، ثم تقرب كل واحد بقربانه إلى اللَّه فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ولم تحمل قربان قابيل ، فعلم قابيل أن اللَّه تعالى قبل قربان أخيه / ولم يقبل قربانه فحسده وقصد قتله ، وثانيهما : ما روي أن آدم عليه السلام كان يولد له في كل بطن غلام وجارية وكان يزوج البنت من بطن الغلام من بطن آخر ، فولد له قابيل وتوأمته ، وبعدهما هابيل وتوأمته ، وكانت توأمة قابيل أحسن الناس وجها ، فأراد آدم أن يزوجها من هابيل ، فأبى قابيل ذلك وقال أنا أحق بها ، وهو أحق بأخته ، وليس هذا من اللَّه تعالى ، وإنما هو رأيك ، فقال آدم عليه السلام لهما : قربا قربانا ، فأيكما قبل قربانه زوجتها منه ، فقبل اللَّه تعالى قربان هابيل بأن أنزل اللَّه تعالى على قربانه نارا ، فقتله قابيل حسدا له . والقول الثاني : وهو قول الحسن والضحاك : أن ابني آدم اللذين قربا قربانا ما كانا ابني آدم لصلبه ، وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل . قالا : والدليل عليه قوله تعالى في آخر القصة مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [ المائدة : 32 ] إذ من الظاهر أن صدور هذا الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سببا لإيجاب القصاص على بني إسرائيل ، أما لما أقدم رجل من بني إسرائيل على مثل هذه المعصية أمكن جعل ذلك سببا لإيجاب القصاص عليهم زجرا لهم عن المعاودة إلى مثل هذا الذنب . ومما يدل على ذلك أيضا أن المقصود من هذه القصة بيان إصرار اليهود أبدا من